الشهبائية سها جلال
يبقى الإنسان تلميذاً فإن قال كفى فقد جاءه الأجل

:: لن أحبك بعد اليوم ..!

لا..! لا تتهمني بالغباء أو الجهل أو الجنون ...!!

لا تتهمني بتحجر عقلي وتنفي مشاعري، تثبط همتي تلك التي تقفز حنونة ترغب في منحك كل عطايا الحب السمح، الحب الذي لامزاودة عليه في مزاد من أفكار السقوط...!

تعرف يا حبيبي كما أعرف أنا، أن الحب هو تلك النسمة التي تحط على الفؤاد مثل حمامة وديعة تهدل بفرح حريتها وهي تطير متألقة ونشوى في رفرافات تبهج العين وتُسر الناظر.

وتعرف كما أعرف أنا، أن الحب مكواة القلب حين لا تكون لي ولا أكون لك، وأنه زمردة الوجود حين تكون لي وأكون لك، لا خيانة ولا مواعيد خلف أسترة الشوارع المظلمة .

تعرف كما أعرف أنا، أن الحب أن تخاف عليَ كما أخاف عليك، أن تحمي قلبي من مواجيد الوجع ، وأن أحمي روحك من الضياع أو التزعزع أو التأرجح فيما يجب أن يكون قائماً أبدياً بيننا.

لكن عقبى الأيديولوجيا الجديدة التي سرحت في ساحات حياتنا صعقتني وبدلت من مشاعري نحوك، ونحو حبك الآبد في ذاكرتي. تلك الأيديولوجيا التي هزت شرائعنا وجعلتها موسوسة ما بين بينٍ...!

جعلت في قوننة العولمة التي غزتنا باباً كبيراً يدخله ما هبَّ ودبَّ من الناس، ينقلون لنا مع بضائعهم المستوردة، أفكاراً مستوردة أيضاً..!

أتذكر حين التقينا أول مرة، كان لقاء حميمياً حافلاً بالفرح والطمأنينة، لم تفكر أن تحمل لي في يدك أي نوع من الزهور ولا الورود، حملت قلبك الخافق بالسعادة وجئت ..!

بعد هذه الشهور والسنين التي مضت وجدت فيك شخصاً غير الذي عرفته وألفت عشرته ومعاشرته..

أعرف أن الورد خُلق للتمتع برؤيته والاستفادة من عطره، لكن يد الإنسان جريئة، قطفته وحولته إلى طاقات زاهية، راحت تقدمه في المناسبات الحزينة والسعيدة، أصبحت مقابرنا تشم رائحة الورد، لم أعارض أن تزدان مقابرنا برائحة الورود ولا بزرع الشجيرات ، تلك مسألة تهم وصايا الموتى أنفسهم، لا يمكنني أن أنكر أن المكان يصبح أقل رهبة وخشية حين تتوزع خضرة الطبيعة هنا وهناك..

أن نحمل الورد في المناسبات الحزينة والسعيدة حفظناه كآية فرضها علينا دستور التحضر والتمدن، فأصبحنا نحمله لكل المناسبات.

إذن لست جاهلة أو مجنونة، حين سأرفض وردتك الحمراء في الرابع عشر من شباط، لا أدري كيف استطاع هذا اليوم بقدرة هيمنة وغزو شيطاني أن يدخل إلى بيوتنا، بيت الإنسان العربي..

هل ستتهمني في الغباء ؟

يا حبيبي المشاعر لا تحميها أيام لها مواقيت لا تنتمي إلى روح علائقنا الإنسانية، إذا كنت تحبني صادقاً، فإنك ستحبني في كل يوم أكثر من اليوم الذي مضى..

إذا كنت حقاً حبيبتك الوحيدة ، ففي كل لحظة ستوزع من حنان عينيك ألف وردة وردة...

من هو "فالنتين" ذاك الذي أصبحنا نقلده؟

رجلٌ مثله مثل أي رجل، كانت له حكاية، تاريخ لا ندري مدى مصداقيته في عالم لاينتمي إلى عالمنا العربي الإسلامي لا من بعيد ولا من قريب .

وكم يبدو عجبي شديد التوجع أن يحتل مساحة كبيرة في أسواقنا وبين تجارنا، التاجر لا يهمه سوى مضاعفة رأسماله من غباء العقول الفتية، الكبيرة منها والصغيرة.

هل تدري يا حبيبي أنهم يدركون أكثر مني ومنك أنه مجرد لعبة زمنية لتحرير الإنسان من عاداته الحميدة المشرعة دينياً لزجه في متاهة التبرجز المصطنع، وهو خدعة استعمارية فكرية ؟!!

لو كان يوم ميلاد طارق بن زياد أو يوم انتصار صلاح الدين في فتح القدس، أو خالد بن الوليد وإحياء ذاكره المجيدة أو أي قائد عربي لقلت ربما كان لحبيبي الحق في أن يُكرمني من أجل هؤلاء، لكنك كما ترى، بل أرى، لأنك لم تر الخطر الذي رأيت..

ما نزال نستلهم منهم أفكار الاحتفال في المناسبات، ما نزال في أسواقهم رخصاً مستهلكة ليست قابلة للتطور ولا تخدم إنسانيتنا التي نشأنا عليها.

حبيبي هل سألت نفسك كيف ينتصر العدو علينا في زمن أصبحت فيه النوويات والإرهاب تهدد أمن وسلامة الإنسان بعد أن أتخمونا بمجازر الموت وأخبار الانقسامات العربية والصراعات القائمة.

يبدأ الانتصار عليك بخطوة واحدة، تكون بمثابة خدعة، وقد خدعونا حين سربوا إلينا فكرة الاحتفال في الرابع عشر من شباط.

أتذكر قصة حصان طروادة ؟ إنهم أشقياء اللعنة الاختبارية في سقوطنا، وقد ربحوا الامتحان ووقعنا في فخهم.

تسريب الاحتفال بيوم "فالنتين" إلينا بداية لخدعة جديدة ستجعلنا أدوات طيعة لكل مستورداتهم العاطفية لينعكس هذا على علائقنا الاجتماعية فتنقلب الأحاسيس من صادقة إلى مجرد آلة تتوهم الصدق.

كم واحداً من الناس العاديين يعرف من هو "فالنتين" وما قصة الورود الحمراء؟

أولاً: هو عيد وثني، من مراسيمه أن يذبح كلب أو عنزة، ويدهن شابان مفتولا العضلات جسميهما ويسيران في مقدمة موكب عظيم ...

ثانياً: قبل القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادين منع رجال الدين الاحتفال في ذلك اليوم لاعتباره مفسدة لأخلاق الشباب، فتم إبطاله في إيطاليا.

ثالثاً: الإمبراطور الروماني "كلوديوس الثاني" في القرن الثالث الميلادي منع جنوده من الزواج، فتصدى له "فالنتين" بقيامه بإجراء عقود زواج للجند سراً.

رابعاً: علم الإمبراطور بالقصة فزج به في السجن فأحب ابنة السجان، لكن حكم الإعدام تم في الرابع عشر من شباط سنة 270 ميلادية.

كم من القرون مرت على العيد دون أن نعرف عنه أي شيء؟!! لنفاجئ مع نهايات القرن العشرين في دخوله إلى دكاكين ونوافذ وطاولات وأيدي أولادنا وبناتنا، ليكون تحولنا غربياُ في ممارسة الحضارة الملغومة بما صدرته لنا من احتفالية لن تنفعنا وإنما ستضرنا ..!

بعد الإطلاع، هل وجدت شيئاً يدلنا على أنه قديس فعلاً ؟

وإذا كان قديساً فإنما لأهله وناسه وبلدانه، وليس لنا نحن العرب الشرقيين ..

الشهداء الذين لاقوا مصير "فالنتين" يوم السادس من أيار دفاعاً عن شرف وكرامة الوطن من بينهم ( عبد الحميد الزهرواي) وكلمته التي شرفت المشنقة زمن حكم جمال باشا السفاح لا أجدك تفكر في أن تحتفل بيوم شنقه العظيم..!

هل أصبحنا قاصري التفكير؟

هل شربنا سُم العولمة التي همها أن ترى تحولنا عمّ نؤمن به ونفرح لذاكره العظيمة؟

هل أقول لهم : هنيئاً لكم بما فعلتم بحبيبي وبأبناء جلدتي من المحيط إلى الخليج.

حبيبي الذي أبحث عن صحوته، حبيبي الذي أريده رجلاً فوق كل هذه الكبائر من الأفكار المسمومة والتصرفات المريضة الملعونة بدم العنزة أو الكلب.

حبيبي لن أرفض وردتك ، بل سأرفضك أنت إن فكرت أن تهديني يوم الرابع عشر من شباط وردة حمراء، لأنني لن أحبك بعد ذلك اليوم.

وقبل أن أختم رسالتي إليك: ياويح كل الشعراء والكتّاب من الإعلاميين والإعلانيين العرب بما فعلوه بكم من كارثة قادمة ستضج بها على رؤوسكم نعول أولادكم ...!!

23/1/2008

 

 

 

 

 

 

(13) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 17 فبراير, 2008 12:15 م , من قبل halataha

يا حبيبي المشاعر لا تحميها أيام لها مواقيت لا تنتمي إلى روح علائقنا الإنسانية، إذا كنت تحبني صادقاً، فإنك ستحبني في كل يوم أكثر من اليوم الذي مضى..

يا عيني عليك!

فعلا معك حق، مقال رائع!

حلا


اضيف في 19 فبراير, 2008 07:35 م , من قبل nasiralshabany

الاخت العزيزه والاستاذه
الفاضله سها
السلام عليكم
ارحت قلبي بما اوردت ان مايؤلمني اننا نهتم بل نعطي جل وقتنا ونضح عقولنا لمثل تلك التقليعات والصرعات التي لاتغني عقل ولا تستر عوره ولا تحصن انسان او امة او بلد
شيء متعب للنفس ونحن نعيش بين قرصي رحى الاعداء في كل جانب من جوانب حياتنا ونخن جل اهتمامنا // ستار العرب وعيد الحب وما اكثر هذه المسميات التي صُرف عليها الوقت والمال واصبحت تجاره تفرغ الجيوب وتتعب الاباء والامهات وتلهي الشباب بل اصبحت احدى الطرق لحصول العلاقات بين الشباب تحت مسمى التهنئه بعيد الحب لينسحب الامر لا اكثر من ذلك
اعدائنا يعملون على دمارنا ليل نهار ونحن نسهر الليل بما لاينفع وننام بالنهار بلا عمل او حراك .......
وكأني اقرء بما جاء او اريد لنا بموجب بروتوكلات آل صهيون واقعا اراه يطبق يوميا
لك خالص ودي واحترامي
........ناصر الشعباني......




اضيف في 20 فبراير, 2008 01:46 م , من قبل roommohamed
من مصر

جمعت بينى وبين حبيبتى كلمات زوجتك نفسى وقبلت زواجك
واجتمعت انوار الافراح بعرسى وعشاء قبول وصلاة شكور
والقسم الغالى لن أهوى سواك اخلاصا ووفاءا ومعين
سنذوب بببحر هوانا لن تمطر غدرا لن اقبل عذرا وسأنساك
وبدأنــــــــــــــــــا
كالطيف كغمامة صيف والنطفة كانت قنديلى
والعلقة كانت هالات حلة ايمان والمضغة سطعت فى ولدى مجد الاسلام
حفظوا القرآن جمعوا فى الصدر من الفردوس قطوف ورياحين
سيرتهم سنه عبرتهم جنه قدوتهم طه صلوات الله عليه
والام الشمس ضياء وانا للشجر الماء
بالرحمة نور فلك الفردوس نريد .....ومذيد
من يملك منكم ما املك من يعرف ان يروى بايمانى مجد الاسلام
يا أمه هزى أغصانك هل يجرى فيكى الماء أوترويكى دمعات يتيم
والام الثكلى والرضع وكثير من ذاك كثير ثورى قد مات جنين
ثورى قد فات قرون ثورى لا عزه لا نصره لا ايمان
ثورى فالجنة ليست للغفلان ثورى فالنار رداء العاصى ونداء الشيطان
من منكم يملك ما عندى من ورث الصدق قد عرف الحق بكل زمان

ارجو أن تقبلى شكرى ولقائنا فى مدونتى


اضيف في 23 فبراير, 2008 12:25 ص , من قبل ahmadaborame
من مصر

بسم الله الرحمن الرحيم
قرأت مقالك ولقد انبهرت جدا بعقلك واسلوبك لقد ولقد شعرت اني اقراء لكبار الكتاب بارك الله فيكي قليل جدا ان تكون في عالم النساء سيده لها هدا القدر من الفكر والنضج لعلم حضرتك انا لي 8 سنوات مستخدم للنت واول مره اهتم واضيف تعليق لانك تستحقي اكتر من تعليق
ابورامي


اضيف في 24 فبراير, 2008 10:20 ص , من قبل souhajalal
من سوريا

العزيزة حلا
أشكرك على تفهمك مادتي وأرجو من الله أن يكون الجيل على قدر وعيك وتحمله المسؤولية لما يقرأ
مودتي وتقديري


اضيف في 24 فبراير, 2008 10:22 ص , من قبل souhajalal
من سوريا

الأخ العزيز ناصر
يسرني أن تكون متابعاً لنصوصي، فالكلام الجيد يحتاج إلى قارئ جيد ، وأنت ممن أحترمهم وأحترم فيك حرصك على الأصالة والعادات الحميدة التي نكاد نفتقدها بسبب ما يصلنا ويروج له الأميين ...
مودتي وتقديري


اضيف في 24 فبراير, 2008 10:24 ص , من قبل souhajalal
من سوريا

أهلاً بك يا أخي وبخاطرتك الشعرية الجميلة
حللت أهلاً ونزلت سهلاً فمرحبا بك دائماً
مودتي وتقديري


اضيف في 24 فبراير, 2008 10:26 ص , من قبل souhajalal
من سوريا

الأخ العزيز أبو رامي
لايسعني إلا أن أشكرك جزيل الشكر على إعجابك بنص كان لابد لنا من أن نكتب عن ظاهرته المرضية التي غزت عالمنا العربي الإسلامي...
بارك بك وجزاك الله كل خير لأنك انتصرت للرأي الصائب..
مودتي وتقديري


اضيف في 26 فبراير, 2008 08:12 ص , من قبل mattar65
من المملكة العربية السعودية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اختي الفاضلة سهى جلال

ان حب الانسان لا يتوقف في محطات الايام ليهدي وردة في محطة معينة شربوا اخلاق ديننا وأشربونا سيئاتهم

عاداتنا ومواريثنا الاسلامية الخيرة لا تنتهي كل يوما هناك مناسبة وذكرى يطيب ذكره وتذكر لكن الانفس الخبيثة تبحث لنا دائما عما يفسد ولا يصلح حالنا


دمت بخير ولك الاحترام والتقدير على هذا المقال والكلمات النابعة من الخوف والحرص على انسانيتنا وحضارتنا العربية الاسلامية


اخوك سعيد مطر / عاشق المطر


اضيف في 26 فبراير, 2008 10:57 ص , من قبل souhajalal
من سوريا

الأخ الكريم سعيد مطر
بارك بك لقد جعلتموني أثق بقدرة الحرف على خلق التوافق الفكري الاجتماعي الذي ينبثق من عاداتنا الحميدة وتراثنا العربي الإسلامي..
الخير موجود بوجود أمثالك وأمثال من كتبوا هنا..
مودتي وتقديري


اضيف في 02 مارس, 2008 01:16 م , من قبل medo10mmm
من مصر

يضحكني كثيرا أننا انشغلنا بوهم الحب و هم انشغلوا بواقع الحرب

تحية عطرة لقلمك الزاكي و الواقعي


اضيف في 03 مارس, 2008 11:30 ص , من قبل kardnai
من إيطاليا

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
سلمت اناملك على الكلمات الرووعه
تحياتي لكِ...


اضيف في 03 مارس, 2008 11:32 ص , من قبل kardnai

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
سلمت اناملك على الكلمات الرووعه
تحياتي لكِ...




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية