الشهبائية سها جلال
يبقى الإنسان تلميذاً فإن قال كفى فقد جاءه الأجل

:: الشمس

 

   فتحت " تينا " عينيها ... نهضت مذعورة وصاحت بصوتٍ عالٍ :

- استيقظن يا بنات ، مرة أخرى لن نشاهد الشمس!

   ببطءٍ بدأت الأجساد المستلقية على السرائر تتحرك بتململٍ قالت "كيتي" :

-  دعيني أنام يا "تينا"، فأنا لم أنمْ سوى ساعةٍ  فقط أرجوك، لا تحدثي صوتاً .

   أمسكت "تينا" بالوسادة وقذفتها نحو "كيتي" فضمتها بين يديها وأغمضت عينيها، لكن "تينا" لم تسكت، اقتربت منها،وسحبت الوسادة وضربتها على رأسها ثم جلست قربها، وراحت تضغط بها على وجهها، حاولت "كيتي" أن تتخلص منها، ثم نهضت، وقد بدا عليها الإرهاق والنعاس فهي لم تنمْ، وكيف تنام وقد كانت سهرى حتى وجه الفجر تغني وترقص مع "ليلي" و "إيريما" والغبطة تسكن قلوبهن الممراحة المليئة بالحيوية والنشاط .

    في ذلك المساء تبخرت ابتسامة "ليلي" وهي تعيد في ذاكرتها صورة الرجل الذي عرض عليها الزواج بعد أن قابلته غير مرة وبعيداً عن رقابة البنات الثلاث، كانت تعتبر علاقتها به علاقة صداقة كما تعودت في بلدها جورجيا، لم يخطر في بالها أن يعرض الرجل عليها الزواج لأنه أحبها  فحبيبها "انطوان" تخلى عنها وتركها للغربة الروحية والنفسية تمضغ بلوى العنوس !!.

    في بلدها جورجيا البطالة تعشش في البيوت التي تفتقر إلى الماء والكهرباء التي تنقطع بعد عصر كلّ يومٍ، وإيجاد عمل دائمٍ من الأمور الصعبة!، لهذا شبابهم يهاجرون إلى كندا أو سويسرا أو أمريكا بحثاً عن العمل، وهي لم توافق في المجيء إلى سورية من أجل السياحة، أو الترفيه،هي جاءت مع البنات الثلاث لدراسة اللغة العربية، وحين سألتها المدرسة سهام في مركز الثقافة الشعبية :

- لماذا اللغة العربية بالذات؟

    أجابت :

 - لنتعرف على تاريخ العرب !

    يومها شعرت المُدَرسة بقيمة اللغة العربية، ولمست ذكاء الغرب في دأبهم على معرفة التاريخ العربي عن طريق إرسالهم الوفود إلى الجامعة .

    "كيتي" تمط ذراعيها وهي تقف قرب السرير،ثم تقترب من النافذة وتطلق ناظريها إلى المدى الذي تتوسطه القلعة، فترى المصابيح المتألقة بالضوء الأصفر تشع من بعيدٍ فتطلق حسرة في خفوتٍ صامتٍ وترجع نحو الوراء خطوتين ثم تستدير باتجاه المطبخ، تضع حبات الزيتون في الطبق فتذكر سهرة العشاء العامرة بالكباب المشوي والتبولة والمتبل المصنوع من الباذنجان المشوي مع الطحينة فترتسم على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تذكر ما قالت بعد أن شعرت بالشبع الذي كاد أن يصل حدود التخمة :

 -  أووو .... مستحيل، لا أستطيع التحرك  أعتقد أن وزني زاد الليلة خمسة كيلو غرامات، ومع هذا أحس بأني سآكل المزيد، طعامك سيدة سهام جميل جداً، شكراً لك.    

  حين كانت "كيتي" تأكل بشراهةٍ حبات الزيتون المغمسة بالزيت والزعتر الأخضر المبلل بحمض الليمون كانت "تينا" تغني لجورجيا أغنية الشوق والحب، وقد أمسكت بصورة طفلها "باجو" لتذكر دموعها عندما ودّعته كيف بللت جبينه وخديه الورديين الصغيرين وهي توصي أمها أن تحرص عليه ولا تدعه مع أبيه السكير دائماً خشية أن يصيبه مكروه، ولولا "باجو" لوقع اختيارها على البقاء هنا في بلد المحبة والسلام، فالفرح الذي عاشته مع جموع طلبة الجامعة وحشود الجماهير يوم الاستفتاء الكبير جعلها تشعر بالحب والاحترام  لذلك القائد وهي تشاركهم صيحات الولاء، والآن وبعد أن مضت مدة الدراسة في الجامعة وبقي أسبوع على الوداع يستحضر الألم عودته مجدداً في روحها الخوف والدموع وهي تهرب إلى بيت أمها لتنجو من حالة سكرٍ شنيعةٍ قد تسبب لها كسراً جديداً في يدها حين تحاول الإفلات من بين يديه وقد هاجت خواطره السوداء بما لا تحمد عقباه!!

       مالت "إيريما" على "تينا" وهمست في أذنها فحدجتها بعينيها الزرقاوين اللامعتين مثل عيني قطةٍ بريةٍ وقالت لها:

-  والمسؤول عن المبيت الجامعي، ماذا نقول له؟

-  نقول له: لا خروج ليلاً ولا تأخر عن موعد إغلاق الباب  (وترفع يدها كأنها تعطي أمراً)  إنه نظامنا وعليكن التقيد به!!

    تطلق "كيتي" ضحكة ساخرة وهي تقلد صوت المسؤول وطبق الزيتون في يدها حين تدخل الغرفة فتصرخ "إيريما" :

-  أيتها المجنونة أنتِ تكثرين من الطعام ، أقسم على أنهم لن يعرفوك حين سندخل جورجيا !

   تمدّ لسانها في وجه صديقتها التي تزعجها دائماً حين تحاسبها على تناولها الطعام بشراهةٍ وتقول لها بعد أن ابتلعت آخر لقمة من حبات الزيتون وشربت الحمض وهي تتلمظ  لتثير غيظها :

- "مووو" ... غلط !

   وكلمة  "مووو" تخرج ممطوطة وقبل أن تسبقها "إيريما" في تقليدها تعض على لسانها مشددة على الحرف اللثوي وهي تردد المثل الذي دأبت على حفظه:

- إذا ذاب الثلج بان المرج، سأريك حين نعود !

    حين نعود تُخيفها وتجعلها تفكر بما ينتظرها في جورجيا إن فعلت ما تقوله "إيريما" فهي لا تدري ما تضمر لها ؟ ولا تدري أيضاً لماذا ما عادت طباعهما تتوافق مع بعضها كما كن في معهد جورجيا ؟

    يخامرها شعور بالقلق ممّا ستُحدث به خالها مدير المعهد في جورجيا والذي كان مصراً على بقائها، ولولا توسلات "كيتي" وضغط الأم على الأخ لكانت الآن هناك تبكي الحسرة من عدم إيفادها معهن، لكنها لم تفعل ما ينافي الأخلاق، ولم تخرج بمفردها إلا لماماً، كلّ الأوقات قضتها برفقتهن، فهي وإن لم تكترث بأمر ذلك الطالب الجامعي فذلك لأنها انشغلت عنه بمعيد الكلية، ومعيد الكلية غير مهتمٍ لا بها ولا بغيرها لأنه عريس جديد، لكن الطالب أعجب بها وأراد أن يقيم معها عهد صداقة وودّ  فرفضت وامتنعت،لا ذنب لها فيما اختار، و "إيريما" فتاة جميلة لا تقل جمالاً عن "كيتي"، ووسيم خفق قلبه لصاحبة العينين البنيتين ولم يخفق لبريق العينين السوداوين،الساحة خالية من الغريم وهو الذي انصرف عنها يطارد "كيتي" ويعرض عليها المحاضرات التي تتعلق بعلم العروض وقواعد النحو والإعراب .

   ستة الشهور انتهت مدتها وما بقي سوى الامتحان الأخير، يحصلن فيه على شهادة النجاح ويغادرن القطر، وكثيراً ما راودت مشاعرهن تلك الصورة المفزعة المقيتة حول النتائج، ماذا لو رسبن ولم يحققن الحصول على وثيقة النجاح ؟

    تذكر "كيتي" خوفها لحظة تفكر بالامتحان ، لكن المُدَرسة سهام قدمت النصيحة حول متابعة الدروس درساً درساً،وكلمة كلمة، فهن وعلى حسابهن الخاص سجلن في المعهد ليتزودن بما غفلت عن استيعابه أذهاننا في كلية الآداب، ولأن المُدَرسة حاولت أن تكون قريبة من تعليمهن بالطريقة السهلة التي ترضي حاجتهن فقد دأبن على كتابة مواضيع التعبير، و"ليلي" التي استعانت بواحدٍ ممن تعرفت عليهم استطاعت أن تصف رحلتها إلى قلعة جبل سمعان بالوثائق التاريخية وبالجمل التعبيرية الشائقة،مما جعل المُدَرسة تتوقف عند بعض الجمل وتسأل "ليلي" :

-  من ساعدك في كتابة الموضوع ؟

    بخجلٍ وبصوتٍ خفيضٍ تجيب "ليلي" المُدرسة:

-  صديق في الجامعة ساعدني .

     ترسم سهام ابتسامة خفيفة ثم تقول بلهجةٍ حانيةٍ:

   - ستكتبين بمفردك موضوعاً تصفين فيه شعورك عن الغربة ومدى شوقك للعودة إلى جورجيا .

   حين اجتمعت المجموعة الحالمة حول النافذة الوحيدة استيقظت في قلوبهن رعشة الشوق إلى رؤية الشمس،تلك التي لم يشاهدنها بسبب السهر حتى أذان الفجر، لهذا قررن في هذه الليلة أن يتحدين النعاس حتى رؤية الشروق وهن يفكرن بالعودة إلى جورجيا وقد حصلن على نتائج النجاح من دون امتياز.   

                             

 

                                   27 / آذار/ 1999

 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 21 يناير, 2008 10:26 ص , من قبل maysaa966
من سوريا

سهى الكريمة
سعدت بقراءة القصة و لن اعلق فأنا أقل من أن أعلق على كتابات كريمة مثلك
محطتي الدائمة ستكون هنا تقبلي حبي و مروري ..ننتظر المزيد منك نحن في شوق للغنى و الابداع.. ميساء


اضيف في 30 يناير, 2008 01:47 ص , من قبل souhajalal
من سوريا

الكريمة ميساء
عزيزتي أشكرك جداً لبصمتك هنا
مودتي وتقديري




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية