يبدأ الشاعر قصيدته بنغم النداء الحر المباشر،لتتجلى أمامنا مشاعره وأحاسيسه مفعمة بالصدق وبالغنائية الشعرية التي لولا غنائيتها ما لفتت انتباهنا وما جعلتنا نقف عندها وقفة المتأمل والدارس لكلماتها وصورها ومعانيها.
ويا سحرها المشتهى ،،
يا رنين الخلاخل في مرمر الساق ،، يا شعرها المترامي على كتفيها سنابل شمس ؛ تغار عليها ومنها الرياح .. تهدهدها تارة .. وتبعثرها .. ثم تزرعها جنة في أقاصي السهى !..
لوعة العشق تزخر بهذا النداء الحميمي المنبثق من أوجاع المحب الغيور على حبيبته وهو يصف سحرها الخلاب الذي ظل في ذاكرته المشتهى لروحه العطشى، فخلخالها ورنته على مرمر الساق تعبير دقيق في التعامل مع الموصوف به / الحبيبة ، لا يكتفي بهذا بل ينطلق إلى شعرها التي حين تراه الرياح تغار منه وعليها لأنها تخشى على جمالها، تريده لها، كحب آسر في محبوبته وهي أي الرياح كأم حنون تهدهد شعر الحبيبة تارة وأخرى تفرده مبعثراً لتزرعه في أقاصي السهى، والسهى في الأصل اسم نجم من كواكب نعش الصغرى المخفية ، يضرب به المثل ، يقال : أريها السها تريك القمر ، أي تشبيه بليغ ذاك الذي استعمله الشاعر في رصده لغيرة الرياح واقصاء شعر الحبيبة عن عالم الموجودات من البشر إلى عالم الفضاء اللامتناهي.
يا لميسا تميس على شرفة الكون غنجا ،،
تنهدت الشمس حين رأتها ،،
وقالت : أيا ليتني كنتها !.. هي كائنه الفريد الذي توحد بجمالها ، كيف تتنهد الشمس وتتمنى لو كانت بدلاً منها؟ من أين توصلت روح الشاعر لاشتقاق هذه الصورة البديعة في تحليلها النفسي الذي إذا أردنا سبر أغواره لكتبنا في هذا الكثير،إنه يشير إلى الجمال الذي يحرق ناظره إن تأمله أو نظر إليه في غمرة من الحنين والغيرة غير القاتلة، إنها الغيرة التي ترفع من شأن الحبيبة لدرجة السمو والارتقاء إلى نجم السها.
لك الله يا لائمي في هواها ..
لك الله يا عاشقا غيرها ..
في هذين البيتين يترك الأمر لله لمحاسبة من يتجرأ على الحبيبة بتركها أو بلومه على حبها، فحبها مشكاة قلبه المضيء بمشاعر العشق الشفيف الذي أشبه ما يكون بذاك العشق العذري.
ما الرصافة ؟ ما الجسر ؟..
ما ضبية الحي ؟ ما جيدها ؟..
ما عيون المها ؟!..
..أسئلة تتوالى عن الرصافة والجسر وظبية الحي التي يختمها / ماجيدها ؟ ما عيون المها ؟ استدارك لشاعرية الموقف من رؤية الحبيبة بين دلالات المكان ، فالجسر والرصافة هما قلق الشاعر وهاجسه، لماذا يقف موقف المتسائل من هذين المكانين؟ هل لأن الحبيبة تسكن الرصافة ولأنه لم يستطع عبور الجسر للوصول إليها ؟ أو لأنه يريد فقط أن يشير إلى جمالها الذي ربطه بجمال الرصافة مختفياً وراء دلالالته الجغرافية وبنائية الموقف؟ رغم هذا هو قدم للحبيبة بوصف ظل خلف الكلمة / ما جيدها ؟ ما عيون المها ؟ / الذي نعرفه أن الشعراء تغزلوا بعيون المها ، والمها عيون البقرة الوحشية وسميت بالمها نظراً لكبر حجمها وجمالها، فهل كانت حبيبته تملك عيون المها ، وجيد الحسناوات من الجميلات؟ تركنا نكشف عن هذه التساؤلات تواتره الشفيف مع حالة عشقه.
ونقل فؤادك حيت تشاء ،
فما الحب إلا لها !..
هنا يخاطب الضمير الغائب / نقل فؤادك حيث تشاء، فما الحب إلا لها ..! تناص جميل مع أبي تمام الطائي / حبيب بن أوس حيث قال :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
ليكون لمنجزه الشعري صوت المدافع عن حقه في عشق الحبيبة، لماذا كان الحديث الموجه به لشخص ضميره غائب؟ هل لأنه أراد أن يترك التضمين مفتوحاً، لأنه يتوجه نحو العموم، ومن خلال الفرد ينطلق نحو الكل ؟
أو بلادي قاصرة الطرف ،، قاهرة الروم ،، ريحانة الحرف ،، آسرة الدهر ،، ساحرة العمر ، مبتدأ الحب والمنتهى !..وتدخل البلاد في قضية العشق، البلاد التي أصبحت قاصرة اليد وقاصرة النظر عما يحدث في بلاد العاشقين، البلاد التي كانت ذات زمن قاهرة للروم، لها حضارتها التي تشبه الريحان في عطره واخضرار ورقه، حكمت الدهر فترة كانت آسرة.. واليوم كيف تحولت هذه البلاد؟ ولمصلحة من ؟ وما كان هذا التحول ؟ وإلى أي مصير أودى بنا ؟ هذه الأسئلة تجيبنا عليها ريادة القصيدة في دلالاتها التاريخية والدينية والاجتماعية على مر العصور..
* * * * *
فلاش باك (على سبيل التذكير فقط) :
أنا لست (العزيز) ، ولكنني بـ(زليخا) أحق ..
فهيت لـ..ـنا !!!
وهممت وهمت ..
وكنا ، فكان انتشاء المدى في زمان الفنا ..
كان قصر العزيز ، وبرهان ربي ، يباركنا .
والذي قد من كل أطرافه
كان – حقا – قميصي أنا !..
كان ذا ممكنا
وتأتي حركة الصوت والصدى هنا المرتبطة مع الماضي التاريخي الديني كصرخة كبرى ليبين لنا أن ما مضى لم يمض كاملاً ، ترك آثاره التي تشهد على حراكنا الداخلي والخارجي بآن ، قصر العزيز ما يزال موجوداً وإن اختلفت الصورة، وقميص يوسف وإن تبدل لونه وشكله ما يزال متداولاً بين الرجال، وزليخا التي احتفظت بلقبها ولم تبدله. كل هذه الإشارات التاريخية الدينية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما يحدث اليوم من صراعات الأخوة، وإذا كنت قد قرأت لمحة موجزة عن سيرة الشاعر، أن أكثر من عشرين مذكرة تخرج من الجامعات الجزائرية قيلت في شعر يوسف وغليسي، إضافة إلى رسالة ما جستير ( الجملة في شعر يوسف وغليسي) نوقشت بجامعة بسكرة، فإنني أجد نفسي قد وفقت بقراءة هذه القصيدة التي لفت انتباهي عنوانها لأقول في الشاعر رغم صغر سنه، أنه يمتاز بريادة استعمال القصيدة الموظفة من حيث البناء الفني واللغوي والصورة التي تعنى بفن الجمال من خلال موسيقا الشعر.
* * * * *
تغير طعم الهوى ..
تغيرت الأزمنه ..
وما خنت حبك ، لكنني اعتزلتك حين اتخذت سواي صديقا (وكان الصديق عدوا لنا !) .. يحكي عن تغير الأزمنة وتبدلها، وعن تغير طعم الهوى وتزلفه، ليبرهن للقارئ أنه بقي مخلصاً لتلك الحبيبة سلطان قلبه وآسرة روحه، اعتزل الهوى في حبيبته لأنها اتخذت من غيره صديقاً لها، وهذا الصديق عدو لهم، لم يقل عدواً لي ، بل ربط الجواب بالجمع ليشير إلى حرصه على الوفاء والإخلاص للوطن، هو يترك الحبيبة لأنها اختارت العدو صديقاً ، صورة من أجمل الصور التي تبعث على الحس القومي الوجداني في صدور وعقول القراء، ليس أجمل من تخلي الحبيب عن حبيبته فداء لوطنه خاصة إذا كانت هذه الحبيبة من المواليات للأعداء.
تذكرت (أهل الرقيم) .. تذكرت [(زينب) و(الكهف) و(الصوت)..]
يا شهقتي الكامنه ..
فهربت حبي ،،
أويت إلى الكهف وحدي ،،
توسدت ذاكرتي ، حلمي ، هواي ، ونمت على نجمة ممكنه !..
..وتأتي هنا صرخات ذكريات الشاعر واضحة أسبابها بين الأسماء وسورة الكهف والشهقة الكامنة في الصدر من هول ما رأت عيناه حين استيقظ بعد أربعين سنة وهنا يلعب الزمن بدلالته ، فالشاعر يهرب بحبه وبنفسه وحيداً إلى كهف وجوده لينام بذكرياته وأحلامه وهواه على نجمة ممكنة، فهل ستكون هذه النجمة هي حلمه المشتهى ؟
أربعون سنه ..
تكبرين ، ويكبر في حبك القلب ،، يسهو ،، ينام ،، فيوقظه الحب ،، تستيقظ الآن في البال (أغنية الميجنا) !..
أربعون سنه..
تفيض مجاري الهوى في عروقي ،،
يشيخ الهوى في دمي ،،
يضيق فؤادي عنه ، فمن ذا يعير الفتى قلبه كي يحبك أكثر يا سوسنه ؟! ..
في هذه الأبيات تبدأ مغامرة الشاعر في وصفه لمشاعره وما يجول في داوخلها من آهات مخفية، تنسكب من ندى الوجدان فيضانات الهوى داخل العروق التي ابتلت برضاب من يهوى، وحين يذكر كلمة الفتى فإنه يشير بعفوية إلى طهارة الحب، لأن حب الفتيان أكثر براءة وأكثر صدقاً في تلك المرحلة من المراحل التي لا تنسى.. وكيف ينساها الشاعر، لا، إنه لا ينساها لأنه يضع جواب السؤال / كي يحبك أكثر ياسوسنة /
أربعون سنه ..
إيه يا وردة طلعت من غدير دمي ،،
ارتوت من دموع أبي ، من جراحه ، سبعا عجافا ..
وحين سنت واستوت روضة من سنا ،،،
فتّحت عطرها للفراشات والنحل (كل الفراشات والنحل) دوني أنا !!
إيه يا سوسنه ،،
هذه أربعون سنه !..وتبدأ دموع وآهات الشاعر تحكي رواية عشقها، الحبيبة وردة خرجت من غدير دمه، انظر إلى جمال الصورة حين يشبه الشاعر حبيبته بوردة خرجت من غدير دمه، كناية عن تخلق المرأة من ضلع الرجل، فالضلع هنا غدير من دم الشاعر ووهجه، لكن دموع الأب التي ارتوت منها الحبيبة أيضاً تحيلنا بالقصيدة من التغزل بالمرأة إلى التغزل بالوطن، فجراح الأب ودموعه التي ارتوت منها الحبيبة لم تكن من أجل حب وامرأة، كانت من أجل قضية ووطن، وحين كبرت هذه الوردة الوطن صارت لكل النحل والفراشات عدا الشاعر العاشق، لكن هل يتنصل الوطن من محبيه؟ أبداً لا يفعلها الوطن، الذي يفعله أبناؤه الذين اغتالتهم بهرجة الحياة فتاهوا في بذخها وسرادق ظلمتها.
* * * * *
.. وصحوت ،،، تغير لون الصباح !
وصحوت على مشهد الماء يطفو على غابة النخل ، والنخل يذوي .. ينز جراح ..
روضتي وردها مستباح !
أربعون مضت ..
والذي بارك النخل في عيده الأربعين
غاب في حلمه واستراح ..
(علي بابا) أنا .. وأنا نخلة ..
والنخيل أنا .. أيها الـ(..) أربعون !!!
ليتكم تعلمون
نخلتي لم تمت ،،
إنما صعرت سعفها للرياح ..
وأنا
كنت دوما ، وسوف أظل ، هنا
صامدا في مهب الرماح !..
كلما سقطت قطرة من دمي في البطاح ،،
فتحت في المدى وردة من أقاح !..
أربعون مضت
وأنا لم أمت ..وفي حديثه عن الصحوة من البلاء الذي حل وزره في كل أمكنة وأزمنة الشاعر يصرخ بألم لا يظهر نجيعه، بل أنينه، لأن روضته الغنّاء الساحرة صارت لغيره، لمن استباحوا طهر دمها، واستباحوا لأنفسهم رحيق وردها، وعلي بابا أسطورة القبض على الأربعين حرامي كناية عن الزمن وعن الاغتيال والدمار، لكن نخلته لم تمت، ظلت ثابتة في الأرض شامخة شموخ الشرفاء، تعطي من سعفها للرياح أُكلها، هي الأخضر النضر الذي لا تزيله ريح ولا يزعزعه هواء صارخ أو جارح، وهو الصامد في مكانه كشجرة النخيل، من كل قطرة دم تسيل تخرج وردة في الأقاحي لتقول للناس، شاعرنا لم يخسر نفسه لأنه إنسان حر شريف، الذي يخسر من يبيع الوطن ويدنس طهر وعفة الأرض.
* * * * *
وردة من تراب بلادي أحب إلي من التبر في بلد الآخرين ،،
حينما قلتها ،
صار لي عصبة حاسدون ..
صرت يوسف ، يا إخوتي ، فاقتلوني !
اقتلوني وحيدا ،،
وإن شئتم اطرحوني بعيدا ،، بعيدا
ليخلو وجه بلادي لكم ، أيها الأربعون ..!
هنيئا لكم كل ما تصنعون !
وفي المقطع الأخير من القصيدة المعنونة ب / ما الحب إلا لها/ نرى الشاعر يكشف الستار عن برقع الحاسدين من العصابات التي تشكلت من حوله لأنه كشف النقاب عن وجوههم وعراهم جميعاً، وهو يفضل وردة في أرض وطنه على تبر من ذهب في بلاد الأعداء، لكن الأخوة الأشقاء في الوطن سرقوا قميص يوسف ورموه في الجب كي يتخلصوا منه، وهنا يطلب الشاعر من أخوته الذين يشبهون أخوة يوسف أن يقتلوه، أو يطرحوه بعيدا ، كي تخلو البلاد من الشرفاء ويبقى الأربعون ، كناية عن الحرامية واللصوصية التي باتت تشكل خطراً كبيراً على الوطن الذي لا يبكي ولا ينوح من أجله الشاعر بل يفديه . وتراه في حوار تحت عنوان (هكذا تعلم الشعراء) يذكر أن صديقه الشاعر ناصر معماش قد تكرم عليه بتسميته في مستهل إحدى قصائده ب- العملاق المتواضع – والدكتور الأخضر عكيوس لقبه بشيخ الأدباء الشباب ، لكنه يتمنى أن يكتشفه القارئ والدارس والناقد من خلال قصائده. وإذا أردنا أن ندرس القصيدة من خلال البنائية الشعرية فإنني أجد الموسيقا والكلمة ذات الدلالة والمعنى قد حققوا شروط التموسق الغنائي في رحاب القصيدة التي رغم إنها لا تنتمي إلى قصيدة التفعيلة بموسيقاها التي عرفناها بها، إلا أنه نجح في تضمين قصيدته موسيقا النغم داخل أنساق إبداعية بينت اشتغال الشاعر بحسه ضمن امتلاكه للمفردات الجميلة التي تزخر بها لغتنا العربية الفصيحة ، كانت لغة أقرب إلى السهل الممتنع، مقدماً لنا الصور الهادئة /مرمر الساق، أقاصي السها، تنهدت الشمس، شهقتي الكامنة، غدير دمي / في ربط دلالي محكم مع المخاطبة / المرأة الضمير الغائب / هي، والوطن وعصابات الوطن داخل منطوقات إبداعية إيقاعية تجعلنا ونحن نقرأ القصيدة نسمع بنغمها يدخل قلوبنا. لأسميها قصيدة القضية والنغم.
6/10/ 2007
السبت, 03 نوفمبر, 2007
حين كانت زليخا تلقب بـ (الكاهنة !!!
أضف تعليقا
اضيف في 05 نوفمبر, 2007 11:30 م , من قبل souhajalal
من سوريا
من سوريا

الأخت سماح
كل الشكر والتقدير لملاحظتك الكريمة
ولاختيارك مدونتي وإحدى مقالاتي
دمت بألق ومحبة
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من الأردن
حضرة الاخت الفاضلة سها جلال،
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،
في البداية نود ان نرحب بك معنا في اسرة جيران.
و انه من دواعي سرورنا اعلامك بانه قد قمنا بوضع مدونتك ضمن قائمةالمدونات المختارة ، و قمنا ايضا بوضع مقالك الأخير ضمن قائمة المقالات المختارة.
عند قرائتي لمقالك الاخير لاحظت ان المقال مكتوب باللون الاسود و خلفية المدونة سوداء ايضا، يفضل ان تقومي بتغيير لون الخط حتى يصبح المقال اكثر وضوحا.
تحياتنا لك.
شكرا لاختيارك جيران.
سماح
Customer Support