الشهبائية سها جلال
يبقى الإنسان تلميذاً فإن قال كفى فقد جاءه الأجل

:: فجاءة الرعشة البلهاء للشاعر عاشور بوكلوة

فجأة تحدث الرجفة القاتله
فجأة يحتلني وجهك
يا .. الطفلة الهائله
وبيني وبينك درب للهوى المستحيل
وقنطرة .. وصخور ..
وطقوس العائله
ودرب أخرى طويلة ..
طويلة ومائله
وهذا العمر يمضي سريعا
تجره للغوايات خطاك
دثريني بهواك

المفاجأة هنا ليست مثل باقي المفاجآت التي تعارفنا عليها وألفنا بعضها، الفجأة هنا مخالفة ومغايرة لمصطلح المفاجأة لأنها حسية شعورية نابضة من وجيف اللحظة المباغتة، هي لحظة الحلم والأمنية المستحيلة. وبين نداء القلب وصراخ اللهفة تنعجن صورة الحب الخائف بدلالات تتمثل بالطفلة التائهة والدرب الطويل والصخور وطقوس العائلة ، فماذا يبقى للشاعر عاشور بوكلوة ، سوى دعوة الطفلة المعشوقة العاشقة لتدثره بهواها الذي لم ينل منه  سوى التحسر والرجاء والنداء من لحظة كانت قاتلة الذي صوره بالرجفة المباغتة، تلك اللحظة التي حفرت تويج زهرتها في شعور وإحساس الشاعر المفعم بالحب من ارتجاف الحواس جميعها، وتلك الحالة الشعورية لا يلمس مدى مصداقية التعبير عنها بكل دقة إلا من أحسها في داخله تؤجج فتيل الشوق والتوق إلى اللقاء. إلا أنه لا ينفي عن نفسه حالة البشر السكونية في حراكها مع الخطيئة  / وهذا العمر يمضي سريعا / تجره للغوايات خطاك
والغواية هي فعل غير وقائي ، إنها تترجم الفعل الذي يعكس حالة العاشق الذي أرجفته حتى القتل صورة المحبوبة بوجهها الطفولي المليء بإشعاعات الجاذبيةالحلمية لواقع العاشقين. وبصيغة الأمر يأتي الفعل الآخر / دثريني بهواك / هلكانت الصورة مستوحاة من قوله صلى الله عليه وسلم / دثروني، دثروني / وكانت حالته حين نزل عليه سيدنا جبريل مثل نزول الصاعقة التي أرجفت كيانه كله، وشتان ما بين رجفة رسول ورجفة عاشق.

لم أكن مولعا كالبنات
لم أكن جاهزا حين حاصرني النبض
من كل الجهات
لم أكن جاهزا ..
حين فاجأت الرعشة البلهاء
قلبي .. والجهات
لم أكن وحدي ..
كانت اللهفة معي
والحب كان معي
وكانت معي الأمنيات
تشرعها في المدى عيناك
دثريني بهواك

مرة أخرى يخاطب فجاءة الرعشة التي يصفها بالبلهاء ، لأنها كانت عبارة عن شعور غريب لم يحسه من قبل، لو أنه عاش هذه اللحظة قبل القصيدة وحالتها لما خرجت معه هذه الذكريات الحامية ، وهو هنا في القسم الثاني من القصيدة يبرر لنفسه قائلاً / لم أكن وحدي ، كانت اللهفة معي، والحب كان معي، وكانت معي الأمنيات / وفيها دلالات قوية ترصد حالة الشاعر الصادقة / اللهفة، الحب، الأمنيات/ وهي بمجملها عوامل مشتركة لبنائية الحس الوجداني الإنساني بكل مشاعره، ليكون لها وقع جديد حين يقول / تشرعها في المدى عيناك/، ثم لا ينأى يختم بدثريني بهواك .

لا شيء يشفع لي هذا النبض
لا شيء يشفع لي هذا العناد
تحملني خطيئتي البيضاء
صوب خطيئة أخرى ..
بيضاء .. كما أنت
تحملني للسواد
وللضياع المؤكد يحملني نداك
دثريني بهواك

وبعد كل هذا النداء والصراخ المستميت تراه ينفي عن نفسه سوءة النبض والعناد إلى حيث تحمله خطيئته البيضاء صوب خطيئة أخرى أيضاً بيضاء كما الحبيبة، والبياض هنا إشارة إلى الطهر والنقاء الذي تمتاز به المخاطبة بينما نفس الشاعر تحمله إلى نقيض الأبيض حيث لا شيء سوى الضياع المؤكد، فهو بلا هوى حبيبته تائه ، ضائع ، غير موجود في عالم الحياة ، ولن يرضى بديلا لهواه وعشقه الذي لم يحظ به سوى بندائه الآمر / دثريني بهواك / .

وإذا أردنا أن نستعرض واقع الصور البلاغية وجمالية الشعور فإنني أرى أن الشاعر غلبه حسه الوجداني على فن الصورة. 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية