أماه.. أمّاه.. اغسلي الأرض بدموعك وعمديها فهي آثمة... والوطن آه أماه ..آه ما الوطن ما الوطن... كان عشا من حلم صار وكرا من كابوس و معتقل
أماه.. أمّاه.. لا تحزني هنا يا أمي تولد القصيدة من رحم زهره تتمايل غنجاً ودلالاً من فراشة حائرة تتلذذ بطعم ورشف الرحيق من ابتسامة رضيع يرى ملاك السماء يلوح له بقوس قزح من شدو طائر يغني لأنثاه وهناك .. هناك في وطني آه أماه ..آه تولد القصيدة من خيام القهر والشتات من رائحة الموت والحريق
آه أماه ..آه ما الوطن ما الوطن... في وطني سقف السيل وعبدون في سقف السيل رائحة التعب والعرق والدخان تعبق في الأجواء وأناس تفتش عن كسرة خبز بين الأنقاض في عبدون قصور ألف ليلة وليلة ما الوطن ما الوطن.... هناك سيف الخليفة على رقبتي وهنا يدثرني الجلنار.... آه أماه ..آه ما الوطن ما الوطن.... هناك أمشي متثاقلا بالهموم والغموم وحين أجلس في مقهى أحتسى قهوتي اقرأ الجريدة أو أكتب قصيدة أراني محاصرا بأشباح الخليفة عيونهم تراقبني تعتقلني أراهم حولي أراهم يهبطون من السماء يخرجون من فنجان القهوة من بين الأحرف والسطور من نعل حذائي من دخان سيجارتي وهنا أراني محدّقاً في أقواس قزح وحين أشرع في كتابة قصيدة أراني طائراً يرفرف في فردوس الشعر ومن بين السطور تطير آلاف الفراشات
آه أماه ..آه ما الوطن ما الوطن.... لا تحزني وتذكري قول الله : الأعراب أشد كفرا ونفاقا الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأنا يا أماه حتما لست من بني الأعراب وما يحزنني أكثر من قال: وطني لو شغلت بالخلد عنه .... نازعتني إليه بالخلد نفسي وددت لو ينهض ليرى ما غنى له وهم وهم وهم ربما إذا حاول أي واحد منا تناول القصيدة من زاويتها التي بدت واضحة غير مبهمة، فهي تعلن عن وجعها من البداية إلى النهاية، فإنه لن يجد صعوبة في تناول النص الشعري من جميع الزوايا. منير مزيد لم يتقمص حالة الوجع واحتراقات الآهات في صدره وروحه وفكره، إنما جاءت هذه الاحتراقات نتيجة حتمية لغربة الشاعر عن مسقط رأسه . والغربة لا يعرف معناها إلا من أحب وطنه وعشقه وأخلص في عشقه . وهي عبارة عن نداء يحمل أتون حرقة واحتراق، نداء يصبو إلى أمه في حنان، فالأم هي وعاء احتواء أحزان الشاعر وهي كأس حبه الذي يفتقده ويناجيه وينده له من خلال تكرار الآهات التي وردت في كل مقطع . هو يبحث عن الطهر والنقاء، لهذا، يطالب أمه أن تغسل الأرض بدموعها وتعمدها فهي آثمة ، وهذه دلالة واضحة على حرقة الشاعر من أرضه التي هجرته، لكن الأرض لا تهجر أحداً، إنما الأوصياء على الأرض هم من يدفعون بالإنسان إلى هجرها والابتعاد عنها. ولدى ذكر الوطن تخرج الآه مخضبة بوجع يند عن صوت متوجع. وفي سؤاله ماالوطن؟ يأتي جوابه صورة من حزن بلا دهشة، صورة للحزن التي احتلها كابوس الظلم والمعتقلات حين اغتال الحلم قبل ولادته، لأنه كان بحثاً ولم يكن حقيقة ملموسة، صودر الحلم قبل بلوغ الشاعر له، لنقرأ / كان بحثاً من حلم صار وكراً من كابوس ومعتقل ورغم ندهاته إلى أمه بتكرار الآهات التي تزفر وتزخر بالآه الصوتية التي أراد الشاعر أن يخفيها في سنديانة قلبه ، لكنها رغماً عنه صدرت وارتسمت لوحة تعبر عن جمال رؤية الشاعر لهذا النده وهذا الوجع، فالزهرة المولودة من رحم القصيدة تبوح لنا بما يعتري مكنونات الشاعر الداخلية من شفافية في رصده لعوالم ذاته، هاهو يرفل بالصورة الجميلة حين يقول/ من ابتسامة رضيع / يرى ملاك السماء / يلوح له قوس قزح/ من شدو طائر يغني لأنثاه. الرضيع / الملاك/ قوس قزح/ الطائر/ الشدو/ الأنثى ، دلالات تشي بالطهر والنقاء والحلم والأمل والحب. لكن شتاته يعيده إلى صومعة الحزن فلا تخرج عنه، ولا يخرج منها، تظل لصيقة بروحه، لأنها أثقلت مواجعه ومواجيده بآثام من كانوا السبب في تكرر الآه، لنلاحظ الرابط بين جرح الشاعر ونغمة الآه المتكررة / من خيام القهر والشتات/ من رائحة الموت والحريق / تولد القصيدة ، رغم تقديم الأخيرة في نسيج النص على تأخيري لها، لأن الحزن والوجع هما من ينجبا رؤية الشاعر ولغته ليفرزا أحاسيسه الصادقة، نرى أن القهر وما ينتج عنه من شتات للروح والغربة التي لاتخلف سوى الموت وحريق الروح. لاينأى منير عن تكرار آهاته، ففي كل مقطع آه ونداء يأتي بسؤال: ماالوطن؟ هل هو أرض لا تحتوي على وليدها ؟ هل هو شخوص لاتنتمي إلى روح الوليد وابتسامته وحلمه الذي كان يبحث عنه؟ أم هو فقر وجوع وضياع؟ في سقف السيل رائحة التعب والعرق والدخان تعبق في الأجواء وأناس تفتش عن كسرة خبز بين الأنقاض في عبدون قصور ألف ليلة وليلة وأناس ملوا الترف قبل أن نسأل :من هو عبدون ؟ هل هي اسم بلدته ؟ أم هو شخص اتصف بالأتوقراطية؟ أم عدة أشخاص ؟ نعرف أن عبدون هي بلدة فيها أثرياء ملوا من تخمة الترف فما عادوا يعرفون ماذا يريدون ! لكن الخليفة يضع السيف على رقبته، بينما هناك يدثره الجلنار. وآهات الشاعر تتجسد أشباحاً تسقط عليه من الطائرات أو تخرج من فنجان قهوته أو نعل حذائه فهو محاصر بعيون تراقبه، إحساس تنبري عليه هواجس من يشعر أنه قد ظلم وفقد حقه في تحقيق حلمه، لهذا من الطبيعي أن ترافقه الظنون بهذه الصور المريضة من آفة الاضطهاد التي تكونت في داخله، فالمضطهد إذا كان على حق تتشكل في داخله نوازع الحزن تغطي كل مساحات فرحه وأمله. رغم كل أحزان الشاعر وشعوره بالانفصال عن وطنه، ورغم كل آلامه وجراحات روحه، لكنه لا ينسى ذكر الله ، هاهو يقول لأمه/ لا تحزني وتذكري قول الله : الأعراب أشد كفراً ونفاقاً / يكررها مرتين ، للتأكيد على حرقته من نفاق الأعراب وكفرهم بتوكيد من قول الله. وينفي في ختام قصيدته عدم انتمائه لهؤلاء الذين أسماهم أعراباً : وأنا يا أماه/ لست من بني الأعراب . وكل ما جرى لا يعتبره سوى وهم ويكررها ثلاث مرات . القصيدة بمجملها اعتمدت على التكرار الصوتي/ الآه/ النداء/ السؤال.
السبت, 06 اكتوبر, 2007
وأناس ملوا الترف
آه أماه ..آه
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من المغرب
بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن ضنوا علي كرام
إن الحنين إلى الوطن مسألة فطرية بين سائر المخلوقات .
والحنين إلى الوطن حنين إلى حضن الأم،حنين إلى الطفولة،حنين إلى زمن الحب...هذا الحنين لا يحسه إلا من تغرب عنه وإن كان بإرادته أما من أبعد عنه غصبا فالحنين يكون ممزوجا ليس بآهاته فقط،بل ودمه أيضا كما في هذه القصيدة مثلا وغيرها .
فالقمح مر في حقول الآخرين
والماء مالح
كما قال الشاعر.
شكرا لك أستاذة على أعمالك المتميزة. أتمنى لك مزيدامن التألك.